الذهبي
538
تاريخ الإسلام ووفيات المشاهير والأعلام ( تحقيق معروف )
وكان البلاء شديدًا ببغداد من الحراميَّة وأذِيّتهم ، ثمّ صُلِب جماعة منهم ، فسكن النّاس قليلًا . وقدم السلطان بغداد ، وقدم معه الحسن بن أبي بكر النَّيْسابوريّ الحنفيّ أحد الكِبار والمناظرين ، قال ابن الجوزيّ : جالسْتُه مدَّةً ، وسمعت مجالسه كثيرًا ، وجلس بجامع القصر ، وكان يلعن الأشعريّ جَهرًا على المنبر ويقول : كُنْ شافعيًا ولا تكن أشعريًّا ، وكُنْ حنفيًّا ولا تكن معتزِليًّا ، وكن حنبليًّا ولا تكن مُشَبِّهًا ، وما رأيت أعجب من الشّافعيَّة ، يتركون الأصل ويتعلّقون بالفرع ، وكان يمدح الأئمة الأعلام ، وزاد في الشطرنج بغلا ، وقد جلس في رجب في دار السّلطنة ، وحضر السّلطان مجلس وعْظه ، وكان قد كُتِب على باب النّظاميَّة اسم الأشعريّ ، فتقدَّم السّلطان بمحوه وكتب مكانه اسم الشّافعيّ . وكان أبو الفتوح الإسفراييني يجلس ويعظ في رِباطه ، ويتكلم على محاسن مذهب الأشعريّ ، فتقع الخصومات ، فذهب أبو الحسن الغَزْنَويّ إلى السّلطان وأخبره بالفِتَن وقال : إنّ أبا الفتوح صاحب فتنة ، وقد رُجم ببغداد مِرارًا ، والصّواب إخراجه ، فأخرج من بغداد ، وعاد الحسن بن أبي بكر النَّيْسابوريّ إلى وطنه . ويعرف الإسفراييني المذكور بابن المعتمد ، واسمه محمد بن الفضل بن محمد ، ولد سنة أربعٍ وسبعين وأربعمائة بإسفرايين ، ودخل بغداد فاستوطنها . وكان يبالغ في التّعصب لمذهب الأشعري ، وكانت الفتن قائمة في أيامه واللعنات في الأسواق ، وكان بينه وبين الواعظ أبي الحسن الغَزْنَويّ حسدٌ وشَنَآن ، وكان كلّ واحدٍ منهما ينال من الآخر على المِنْبر ، فلمّا بويع الرّاشد بالله ، وخرج عن بغداد ، خرج معه أبو الفتوح إلى الموصل ، فلمّا قُتِلَ الرّاشد سُئل المقتفيّ فيه ، فإذن له في العَود إلى بغداد ، فجاء وتكلم ، واتفق مجيء الحسن بن أبي بكر النَيْسابوريّ فوعظ ، ووجد الغَزْنَويّ فرصة ، فكلَّم السّلطان في أبي الفتوح ، فأصغي إليه . وقال ابن الجوزيّ : بَلَغَني أنّ السّلطان قال للحسن النَيْسابوريّ : تقلَّد